بيع السيارات بطريقة التورُّق المنظم
السؤال :
فقد اطلعت لجنة الفتوى بموقع الفقه الإسلامي على السؤال الوارد إليها برقم (11) وتاريخ13/3/1431هـ، ونصه:|“السادة أعضاء لجنة الفتوى بموقع الفقه الإسلامي وفقهم الله:|أنا أعمل في شركة تقسيط، وعملنا كالتالي: إذا تقدم إلينا شخص يحتاج إلى مبلغ من المال، فإننا نقوم بتوفير سيارة له، ثم نبيعها بالتقسيط، وبعد توقيع العقد يقوم بتفويضنا في بيعها، ونحن نبيعها على المعرض الذي شُريت منه، ونودع المبلغ في حسابه، وهو لم يراها، ولم يحجزْها، وإذا تقدم شخص آخر يريد مبلغا، فنقوم بشراء نفس السيارة من نفس المعرض، ونبيعها له بالتقسيط، وإذا فوضنا نبيعها على نفس المعرض، فتباع السيارة وهي في مكانها عدة مرات، فالمعرض يبيعها على الشركة، والشركة تبيعها على المعرض، بموجب التفويض، أفيدونا في حكم هذه الصورة وفقكم الله؟
الإجابة
وبعد الاطلاع والدراسة أجابت اللجنة بما يأتي:
هذه المسألة من مسائل التورُّق المنظم، والتي يعبِّر عنها البعض بالعينة الثلاثية، التي يقوم فيها طالب السيولة بشراء سلعة بثمن مقسط مؤجل من إحدى الجهات، ثم بعد ذلك يبيع السلعة على نفس الجهة التي اشتراها منها، أو يفوضها في بيعها وكالةً عنه، ويقضي بثمنها الحاجة التي أراد من أجلها المال، وقد ذهب أكثر أهل العلم المعاصرين إلى تحريم التورق المنظم؛ لكونه حيلة على الربا، فَطالِبُ القرض لم يقبض من الجهة التي تقوم بالشراء إلا نقودا، وسيردُّ تلك النقودَ بعد أجل بزيادة، فحقيقته قرض بفائدة، والسلعة المسماة في العقد إنما جيء بها حيلةً؛ لإضفاء الشرعية على العقد، فهو بهذا الوضع يعد صورة واضحة من صور العينة، وهي حرام، ومن كبائر الذنوب، فعَنْ ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا، لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) أخرجه أحمد وأبو داود بسند حسن.
كما أن تفسير نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع بيعتين في بيعة بأنه العينة هو المترجح، ولفظه: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) أخرجه أبو داود بسند حسن.
أي: من باع شيئا نسيئة ثم اشتراه بأقلَّ من الثمن الذي باعه به نقداً، لا يستحقّ في ذلك إلاّ رأس ماله وهو أوكس الصفقتين، أو يأخذ الصفقة الثانية بزيادة من الأولى، ويكون قد أربى.
والتورق المنظم بصورته المذكورة داخل في هذا النهي، فالحيلة الموجودة في بيع العينة، والتي من أجلها حرمه الشارع وجدت جليةً في التورق المنظم؛ بسبب وجود التواطؤ التعاقدي بين الوسيط والمتورِّق، وهو تواطؤ على النقد الحالِّ بنقدٍ آجِلٍ أكثرَ منه.
وأيضا فإن التورُّق المنظم يقع تحت طائلة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط.
وأما شبهة الوكالة التي يستدل بها بعضهم، وأن الوسيط بين المتورق وبائع السلعة إنما هو وكيل، فإن هذا مردود بأن التوكيل في التورق المنظم ينافي مقتضى عقد الوكالة؛ لأن ما يعمله الوسيط باعتباره وكيلاً ينافي مصلحة المتورق، فهو يبيع السلعة بثمن أقل من الثمن الذي اشترى به المتورق، مع الاتفاق والتواطؤ على ذلك، وهذا منافٍ لعقد الوكالة القائم على التصرف لمصلحة الموكِّل.
فجريا على قاعدة الشرع الحنيف في كون الأمور بمقاصدها، فالذي نراه تحريم هذه الصورة، وأنها من التحايل على الربا، وهذا ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقـدة بمكـة المكرمـة، في الفترة من 19-23/10/1424هـ الذي يوافقه: 13-17/12/2003م.
ولا تحل هذه المعاملة حتى يتوفر فيها الآتي:
أولا: أن يمتلك طالب القرض هذه السيارة امتلاكا تاما، ويحوزها حيازة تامة، وذلك بقبضها القبض الشرعي، قبل أن يتصرف فيها ببيع ونحوه.
ثانيا: ألا يبيعها المالك على من اشتراها منه، ولا يفوِّضه في بيعها، بل يقو م هو بنفسه ببيعها، حتى لا تعود إلى العِينة
ثالثا: أن يكون هذا بعد أن يتبين أن بطالب السلعة حاجةً فعليةً إلى النقود، مع عدم وجود من يقرضه، كما اشترطه بعض أهل العلم، احتياطا لعدم الوقوع في الربا، أو التحايل عليه.
والله تعالى أعلم
2021-09-25 12:07:41